جلت في الكثير من أرض الله الواسعة في وطني الحبيب أمس وأول أمس، ولم أفعل ذلك منذ أمد، ذلك أنني كلما خرجت لا أزداد إلا أسى من المآسي التي ألتقيها والتي لم تعد تخف عن أحد : إذا دخلت أحد السوبيرات أو أحد المتاجر لا تكاد تجد مكانك كي تختار وكأن كل المعاربة تبارك الله عليهم مريشين، لكن ما أن يضربك برد الزنقة حتى تتلقفك طوابير المتسولين على أبواب ذات المتجر صغارا وكبارا شباب وشيبا. يوم السبت جاءني أحد الأطفال الذين ودعوا تلك البراءة التي نسمع عنها في سنابل الإتم، أو في مجرات المصائب الثانية، وسألني درهما، قلت له "علاش باغيه؟" قال لي "نعطيه لامّي (أمه)" فتفاجأت بجوابه إذ وهو صغير فإنه انطلق في رحلة البحث عن الرزق ليعيل العائلة بغض النظر عن صحة الأمر. في ذات اليوم، جلت كذلك في القنيطرة، واستوقفني منظر شيخين في حالة يرثى لها، في مغرب يتحدثون فيه عن التنمية البشرية ولا ريب أن مثلهما لم يسمعا أبدا بهذه الكلمة. أما يوم الأحد فقد ذهبت في رحلة عائلية إلى إحدى القرى المجاورة للرباط، وبقدر ما حباها الله من المناظر الخلابة بقدر ما ترى الفقر يتجول متبخترا، والجهل يضرب في الأطناب ضربا، و لولا بعض مما تجود به الأرض الذي قل بفعل قلة الأمطار، لكنا نعيش على بعد كيلومترات قليلة بجوار بشر من العصر الحجري، لا ماء و لا كهرباء ....وقبل ذلك بأيام جاءني أحدهم وهو يتكلف بالحديقة في إحدى المعاهد الكبرى للمهندسين، جاءني و أبلغني أنه سيحال على التقاعد بأجرة 900 درهم سيعيل منها عائلة مكونة من 7 أفراد ورجاني إن كانت لي معارف أن أجد لابنته المجازة المعطلة عملا تعينه على متطلبات الحياة، و بكل كرامة لم يسألني إعانة مالية ..تصوروا معي 900 درهم !! لو افترضنا أنه سيكون معفيا من الماء والكهرباء والكراء (طبعا مستحيل) 900/30=30 درهما في اليوم/7 أفراد = 4 درهم وشي صرف في اليوم (أقل من دولار)...طبعا ليس من حق أي فرد من هذه العائلة أن يمرض وإلا جابها فراسو....واحسرتاه!!
ومع ذلك كله، فإن إحياء 1200 من عمر فاس لا يتورع أن تُصرف فيه الملايين المملينة من مبلغ 350 مليون درهم وما خفي أعظم و أن يؤتى بشاشة عملاقة لا مثيل لها وأن يُستدعى كبار الشخصيات، فالمغرب يعطي لضيوفه صورة في قمة الرخاء فلم يعد لدينا بفضل الله مشاكل تذكر حتى نحتفل، أو بمعنى أدق شبعنا وأكلنا و لا بد من الرقص حتى نهضم...أنا لست ضد تخليد ذكرى تاريخية، بل بالعكس أنا من دعاة إحياء التراث وكل ما من شأنه إحياء الشعور بالانتماء للوطن والاعتزاز بهويتنا المغربية العربية الأمازيغية الإسلامية التي تهدمهما أدوات ولوبيات قوية من أمثال "2 مصيبات" وما يسير في شاكلتها، لكن أن يعيش البعض في الحضيض والبعض الآخر في أعلى القمم فهذا من خيانة الوطن والدين والكل مسؤول عن ذلك. ثم ما هكذا يكون إحياء ذكرى تأسيس مدينة فاس، بل إحياؤها يكون برد الاعتبار للتاريخ الذي عاشته، برجالتها التي أبدعوا فيها، برجالتها التي علقت رؤوس بعضهم على أبوابها، بكشف المستور عن التاريخ الغني الذي عرفته حتى ما قبل ادريس الثاني حين كانت قبائل أوربة الأمازيغية تعمر منطقة سايس ثم مرورا بكل العوائل التي حكمت وتحكمت في مصائر المغرب من فاس، لندرسه لأبنائها ليعتزوا بهوياتهم مع اختلاف انتمائاتهم. إحياء الذكرى يكون برد الاعتبار للعلم الذي انطلق من جامعة القرويين التي كانت أول جامعة والتي قتلوها قتلة كانت أشد مما فعل الفرنسيس فيها، جامعة القرويين التي كانت تخرج طلبة في كل الاختصاصات وحتى في الطب وكانت محجا حتى لبني أوربا الكور....إحياء الذكرى ليس بالشطيح، والرقصات والحيحات وإتلاف ما تبقى من وعي هذا الشعب المسكين، بل من إحياء الذكرى الاهتمام بساكنة فاس و مشاكلها اليومية التي ضيعها أشباه رجال يتحكمون في مصيرها
المغرب مغربان...لذلك تنتابني بين الفينة و الأخرى رغبات في هجر كل هذا البلد إلى أرض الله الواسعة، تنتابني حينما أرى وطني إلى الهاوية متجه ونحن كمن ننتظر ساعة الخلاص التي نتوقعها في كل مرة، ولولا حب هذه الأرض الغالية لهجرناك يا وطني، ولكن فيك منغرسون حتى "يحن الله"....
كتبها الدار الكبيرة في 06:04 مساءً ::
موضوع رائع أخي..هذه مشكلتنا،أناس يعيشون الرخاء وأناس يعيشون تحت الفقر المدقع.
وأنا معك أيضا في فكرة الهجرة،"بعدا حسن من الانتحار..!!".
حسبنا الله ونعم الوكيل




الاسم: الدار الكبيرة
