
في كل بقاع الديمقراطيات المعروفة هناك إجماع على أن الأصل في السياسة هو الاختلاف. إلا عندنا في المغرب، فقد اكتشف سياسيونا مصطلحات غريبة أطلقوا عليها التوافق والتراضي والتناوب. وعندما نتأمل قليلا في معنى التوافق والتراضي نكتشف أنهما مرادفان للنفاق، أي أنني أعلن موافقتي على شروطك وعليك أن تعلن موافقتك على شروطي، وأن نتعايش معا داخل البيت نفسه، لا أن نتصارع ويفرض الطرف الذي يختاره الشعب شروطه على الطرف الضعيف الذي يتخلى عنه الشعب.
وكان من نتائج قبول الطبقة السياسية بالتعامل بهذه العملة المغشوشة أن فقدت اللعبة السياسية جوهرها، وعوض أن ينشغل الخصوم السياسيون بالصراع أصبحوا يبحثون عن التراضي والتوافق، وتحولت الحكومة إلى ما يشبه الأرض المشاعة التي يتناوب على حرثها زعماء الأحزاب السياسية بالدور، كل واحد منهم يأتي دوره لكي يحرثها ويجني من ثمارها له ولأبنائه ومعارفه حتى أصبحت الحكومة مثلها مثل «حرث ليتامى»، الأرض متوارثة والزريعة مختلفة.
ثقافة التوافق تخطت الحقل السياسي ووصلت إلى محاولة فرض طريقة تفكير واحدة على جميع المغاربة، وخصوصا أولئك الذين يمارسون مسؤولية الكتابة في وسائل الإعلام.
مناسبة هذا الكلام هو النقاش الذي أثارته تظاهرة البولفار أخيرا على صفحات الجرائد والذي وصل صداه إلى قبة البرلمان. فقد أصبح كل من يتجرأ على إبداء موقف مغاير من هذه التظاهرة يحسب مباشرة على الإسلاميين، ويتم اتهامه بالتزمت والرجعية والتطرف والظلامية، وما إلى ذلك من التهم الجاهزة التي يفصلها بعض الحداثيين «سكر زيادة» في بوتيكاتهم على كل المقاسات.
وكمواطن مغربي أعتقد أنه من حقي أن أعبر بحرية عن موقفي من البولفار، وأن أختلف مع الآخرين في مواقفهم، مع احترامي الكامل لهذه المواقف. لأنه يبدو أن بعض دعاة حرية التعبير في المغرب يعتقدون أن حرية التعبير هي حريتهم وحدهم في التعبير، أما الآخرون فما عليهم سوى أن يكمدوها في قلوبهم ويحتفظوا بآرائهم لأنفسهم. طريق حرية التعبير يسمح بالذهاب والإياب في الاتجاهين، وليس طريقا باتجاه واحد كما يريد أن يقنعنا البعض.
والخطير في موضوع «البولفار» أن كل من يعبر عن رأي معارض للرأي السائد يتم إلصاق إتيكيت «متطرف» على ظهره. ونحن في المغرب نتحدث فقط عن المتطرفين السلفيين والجهاديين من معتنقي فكر الدعوة والقتال، لكننا نغفل الحديث عن جماعة خطيرة أصبحت تهدد الأمن الروحي والاجتماعي للمغاربة اسمها «الحداثية الجهادية»، و«شيوخ» هذا التيار ومنظروه منتشرون في بعض وسائل الإعلام ويقومون بنشر فكرهم الذي لا يقل تطرفا عن فكر السلفيين الجهاديين. فهم لا يشجعون المغاربة على الاعتدال في سلوكياتهم وأفكارهم بقدر ما يدفعونهم نحو اعتناق الأفكار المتطرفة، من دفاعهم عن الحشيش إلى دفاعهم عن الشذوذ الجنسي والحرية الجنسية والعلمانية التي يفهمونها على أنها هي الإفطار في رمضان والتخلي عن أضحية العيد ومحاربة الحجاب والدفاع عن كل الأعمال السينمائية التي تسخر من الإسلام ومن شعائره.
إن هذا التطرف الحداثي لهو أخطر فكر يتهدد الأجيال الصاعدة في المغرب. وعندما نرى كيف تضع الحكومات الأوربية مخططات ترصد لها الملايين من الأوروات لكي تحمي شبابها ومراهقيها من الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي تتهددهم كالخمور والمخدرات والتدخين والعلاقات الجنسية الفوضوية، نرى كيف تدير الحكومة المغربية والدولة ظهرها لهذا الشباب تاركة إياه عرضة لكل التيارات الخطيرة التي تخترق جسد الهوية المغربية.
في إسبانيا هناك اليوم حملات منظمة للقضاء على ظاهرة «البوتيون» عن طريق تفعيل قوانين تجيز اعتقال كل من يضبط في حالة تلبس بالشرب الجماعي للخمور في الشارع. هناك حملات دعائية في التلفزيون لتوعية الشباب بمخاطر الكحول والتبغ والمخدرات. لأن السياسيين هناك وعوا بأن الأمور إذا استمرت بهذا الشكل فإن مستقبل إسبانيا سيكون غير مضمون، فالغد يصنعه شباب اليوم ومراهقوه، وإذا أنت تركت الشباب على هواه يتعاطى كل ما يشتهيه تحت يافطة الحرية، فإنك بعد عشر سنوات ستحصل على جيل معطوب مدمن عاجز عن العمل والابتكار، والأخطر أنه سيكون عالة على الدولة يكلف خزينتها غاليا.
لماذا نقول هذا الكلام، لأنه من واجبنا أن نطلق صفارة
























